محمد بن وليد الطرطوشي

138

سراج الملوك

الباب الرابع في بيان معرفة ملك سليمان بن داود عليهما السلام ووجهه طلبه الملك ، وسؤاله أن لا يؤتى لأحد من بعده فإن قال لنا قائل : أليس سليمان بن داود عليهما السلام ، قال : قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ ص : 35 ] ، فطلب الملك ، ثم زاد على ذلك بأن لا يؤتى مثله أحد من بعده ، وكان ظاهره يؤذن بالبخل . والكلام على هذه الآية من وجوه : أحدها : أنه أنه إنما سأل هذا ، بعد أن سلبه الله تعالى ملكه ثم أعاده إليه ، فحين طلب الملك كان ملكا ، فكأنّه قال : هذا الملك الذي جدّدته لي ، هبه لي على صفات لا أعصيك فيها ، أفتسلبنى إيّاه وتعاقبنى . يدل هذا عليه أنه بدأ بالمغفرة ، فقال : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً أي : ملكا لا أعصيك فيه فتؤاخذنى ، والدليل على صحة هذا قوله تعالى : هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ ص : 39 ] فكأنه أجاب دعاءه ، فقال : تصرف كيف شئت فلا حساب عليك فيه . وقيل : إن أعطيت أجرت ، وان أمسكت فلا تبعة عليك فيه . وهذا تخصيص لسليمان بن داود عليهما السلام ، ولم يخص به أحد من ولد آدم سواه ، لأن الله تعالى قال للخلائق : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ [ الحجر : 92 ، 93 ] . وأما قوله : لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ، فمعناه : لا أسلبه في باقي عمري فيصير لغيري . كما سلبته فيما مضى من عمري . وقيل : لا تسلّط عليّ فيه شيطانا مثل الذي قد سلّطت عليّ . وقيل : إنّما سأل ذلك ليكون علما له على المغفرة وقبول التوبة ، فأجيب إلى ذلك ، فعلم أنه قد غفر له . وقيل : إنما سأل ذلك ليكون آية لنبوّته وعلما على معجزته .